اذكروا محاسن موتاكم قبل موتهم

0

ببالغ الحزن والأسى نعى المصريون الرئيس الراحل محمد مرسي مؤكدين أنه ما أراد بالبلاد إلا خيرًا. وفجأة.. طفحت الإنسانية في التغريدات والمنشورات، وتذكر الجميع أن رجلًا مقهورًا يقبع خلف القضبان منذ ستة أعوام بتهمٍ ملفقة، لحسن الحظ التاريخ لا ينسى؛ لذا دعونا نعود قليلًا بالذاكرة إلى عام 2012، لنتذكر ما قدمه لنا وما ارتكبناه في حقه من ظلم بيّن في المقابل.


بدايةً، أعطى مرسي حرية مطلقة للإعلام انطلاقًا من إيمانه بالديموقراطية التي نادت بها ثورة يناير، وعلى مدار عام كامل كان الشغل الشاغل لمؤسسات الدولة الإعلامية هو حشد الرأي العام ضد مرسي والحط من هيبته وإهانة شخصه وأسرته، واتهمته أبواق الإعلام زورًا وبهتانًا بالعمالة لجهات أجنبية وروّجت الأكاذيب والافتراءات حول نيته لبيع الأراضي المصرية. وبالفعل نجح الإعلام في تأدية مهمته الخبيثة على أكمل وجه حتى إذا تعثر أحدهم في الطريق ألقى اللوم على الرئيس!


لكن الصورة اختلفت كليًا تحت حكم السيسي، فجميع أجهزة الإعلام تسبح بحمده آناء الليل وأطراف النهار، وبإمكانها تبرير أي جريمة يرتكبها حتى وإن كانت بيع أراضٍ مصرية ارتوت بدماء شهدائنا، أو قتل أبرياء تحت مسمى محاربة الإرهاب، أو حتى التحايل على الدستور لحكم البلاد حتى عام 2030.


وعلى مستوى الحريات تعيش مصر مرحلة هي الأسوأ في تاريخها الحديث؛ إذ بلغ عدد السجناء السياسين أو معتقلي الرأي 60 ألف بحسب هيومن رايتس ووتش ناهيك عن الاعتقالات التعسفية والاختفاءات القسرية وعقوبات الإعدام.


آمن مرسي بثورة يناير وبحلم الثوار في تحقيق العدالة والحرية والديموقراطية وكانت تلك خطيئته الكبرى، بعد أن ضرب الثوار بالديموقراطية عرض الحائط وخرجوا ضده بعد عام واحد من حكمه في مظاهرات 30 يونيو مطالبين بإسقاطه قبل أن يكمل مدته الرئاسية التي يكفلها له الدستور، ليس هذا فحسب بل هللوا باعتقاله وكأنهم رأوا في ذاك العام من القمع والقهر ما لم يروه طيلة حكم مبارك الذي عاث في الأرض فسادًا.


أما الآن، أصبحت ثورة يناير ضربًا من الخيال، وأصبح الحال أسوأ من ذي قبل، فعلى المستوى الاقتصادي تسبب غلاء الأسعار في تراجع الطبقة المتوسطة التي كانت تمثل 60 بالمئة إلى 15 بالمئة فقط بعد موجات متتالية من ارتفاع أسعار السلع والخدمات، فعلى سبيل المثال لا الحصر ارتفعت أسعار المحروقات بنسبة وصلت إلى 500 بالمئة منذ عام 2014.

وعلى المستوى السياسي، انعدمت المشاركة السياسية في مصر وكُممت أفواه المعارضة، فحتى يومنا هذا لا يزال الفريق سامي عنان في السجن منذ إعلان ترشحه في الانتخابات الرئاسية العام الماضي، وكان المحامي خالد علي قد انسحب من سباق الانتخابات أيضًا، ليصبح عدد المرشحين اثنين فقط أحدهما السيسي والآخر “كومبارس” يؤدي دوره في مسرحية الانتخابات الرئاسية لإضفاء الشرعية على العملية الانتخابية. أما فيما يتعلق بمكتسبات الثورة فمبارك وأبنائه ورموز الحزب الوطني الذين قمعوا الشعب ونهبوا ثرواته على مدار عقود ينعمون الآن بالحرية ويعيشون بيننا وكأن ثورة لم تقم وكأن نظامًا لم يسقط.


أراد مرسي أن ينهض باقتصاد مصر لتصبح قوة عظمى مستقلة؛ وأن ننتج غذاءنا ودواءنا وسلاحنا؛ حتى نمتلك إرادتنا لا أن نرضخ لهيمنة الغرب الذين ينهبون مقدراتنا ويكسرون شوكتنا بمعونة لا تسمن ولا تغني من جوع، شخصيًا، أعتقد أننا جميعًا قتلنا هذا الرجل.. قتلناه عندما لم ننصفه في حياته، وعندما لم ننصره في سجنه حتى عندما حُرم من زيارة أسرته وتعرض لإهمال طبي متعمد.


كلنا مذنبون حتى بالصمت العاجز الموافق قليل الحيلة، لكن هنيئًا له حريته التي لم يكن ليحصل عليها مطلقًا تحت الحكم العسكري الغاشم، وهنيئًا له أنه عاش شريفًا ومات حرًا ثابتًا على الحق. وسيذكر التاريخ أنه دفع حياته ثمنًا لمواقفه وناضل في سبيل المبادئ التي يعتنقها حتى الرمق الأخير، وصدق حقًا عندما قال “ثمن الحفاظ على الشرعية حياتي”، في وقت تخلى فيه المصريون عن ثورتهم وراحوا يقبلون يد جلادهم.


ختامًا، أذكّر نفسي وإياكم أن هناك آلاف مؤلفة من محمد مرسي داخل السجون المصرية تتعرض للقتل الممنهج، فلعلنا نذكرهم قبل أن يلقوا نفس المصير.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.