شرح الأصل العاشر .. الأصول العشرين


“ومعرفة الله تبارك وتعالى وتوحيده وتنزيهه أسمى عقائد الإسلام، وآيات الصفات وأحاديثها الصحيحة وما يليق بذلك من التشابه, نؤمن بها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل, ولا نتعرض لما جاء فيها من خلاف بين العلماء, ويسعنا ما وسع رسولَ الله- صلى الله عليه وسلم- وأصحابَه ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ (آل عمران: من الآية 7).

هذا الأصل يُعالج:

– قضية الأسماء والصفات

– آراء الفرق الإسلامية فيها

– رأي السلف الذي ندين به

في هذا الأصل يوضح الإمام الشهيد مكانة التوحيد بين عقائد الإسلام، ويبيِّن الموقف الوسط من آيات الصفات وأحاديثها الصحيحة.

واجب المسلم نحو أسمى العقائد:

– معرفة يقينية لا ذهنية

– توحيد صادق لا ريب فيه

– اعتقاد الكمال لله وتنزيهه عن كل نقص

الموقف من الصفات:

واجب المسلم أن يثبتَ لربه كلَّ صفات الكمال وأن ينزَّهَه عن كلِّ نقص؛ ولذا عمد الإمام الشهيد إلى موقف حكيم:

1-إيمان بها بلا تأويل ولا تعطيل: وهذا مذهب السلف الأعلم والأحكم والأسلم، ونفي التأويل أي صرف اللفظ عن معناه الراجح القريب إلى المرجوح البعيد بلا قرينة توجب ذلك، وأن نقف عند المعنى على ما يليق بجلال الله، والتعطيل معناه: نفي مدلولات الألفاظ التي تصف الله تعالى نفيًا مطلقًا، فالله تعالى عند المعطلة لا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر.

2-الكف عن نزاع العلماء: لقد حدث نزاعٌ طويلٌ بين العلماء حول هذا الجانب، وكان له أثره على وحدة المسلمين، والإمام الشهيد يدرك هذا، ويريد أن يجمع قلوب الأمة، ولا يمكن جمعها إلا على الإجمال الثابت بالنص والإجماع وترك التفصيل المتنازع فيه في هذا المقام.. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: “وما تنازعت فيه الأمة وتفرقت فيه إن أمكن أن يفصل النزاع بالعلم والعدل، وإلا استمسك بالجمل الثابتة بالنص والإجماع”.. يقول الإمام الشهيد في رسالة (العقائد): انقسم الناس في هذه المسالة إلى أربع فرق:

1-فرقة أخذت بظواهرها كما هي: فنسبت لله وجوهًا كوجوه الخلق, ويدًا أو أياديَ كأيديهم, وضحكًا كضحكهم, وهكذا حتى فرضوا الإله شيخًا, وبعضهم فرضه شابًا, وهؤلاء هم المجسِّمة والمشبِّهة, وليسوا من الإسلام في شيء, وليس لقولهم نصيب من الصحة, ويكفي في الردِّ عليهم, قول الله تبارك وتعالى:﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ (الشورى: من الآية 11) وقوله تعالى:﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ* اللهُ الصَّمَدُ* لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ* وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ (سورة الإخلاص).

2- فرقة عطَّلت معاني هذه الألفاظ على أي وجه.. يقصدون بذلك نفي مدلولاتها مطلقًا عن الله تبارك وتعالى، فالله تبارك وتعالى عندهم لا يتكلم ولا يسمع ولا يبصر؛ لأن ذلك لا يكن إلا بجارحة، والجوارح يجب أن تنفي عنه سبحانه، فبذلك يعطلون صفات الله تبارك وتعالى ويتظاهرون بتقديسه, وهؤلاء هم المعطِّلة، ويطلق عليهم بعض علماء تاريخ العقائد الإسلامية: (الجهمية)، ولا أظنُّ أن أحدًا عنده مُسْكَةٌ من عقل يستسيغ هذا القول المتهافت!! وها قد ثبت الكلام والسمع والبصر لبعض الخلائق بغير جارحة, فكيف يتوقف كلام الحق- تبارك وتعالى- على الجوارح؟! تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.

هذان رأيان باطلان لا حظَّ لهما من النظر, وبقي أمامنا رأيان هما محلّ أنظار العلماء في العقائد, وهما رأي السلف ورأي الخلف.

3-أما السلف رضوان الله عليهم فقالوا: نؤمن بهذه الآيات والأحاديث كما وردت، ونترك بيان المقصود منها لله تبارك وتعالى، فهم يثبتون اليد والعين والأعين والاستواء والضحك والتعجب.. إلخ, وكل ذلك بمعانٍ لا ندركها, ونترك لله تبارك وتعالى الإحاطة بعلمها, لا سيما وقد نُهينا عن ذلك في قول النبي- صلى الله عليه وسلم-: “تفكروا في خلق الله, ولا تتفكروا في الله, فإنكم لن تقدروا قدره”.

4-فأما الخلف فقد قالوا: إننا نقطع بأن معاني ألفاظ هذه الآيات والأحاديث لا يراد بها ظواهرها, وعلى ذلك فهي مجازاتٌ لا مانع من تأويلها, فأخذوا يؤولون (الوجه) بالذات و(اليد) بالقدرة، وما إلى ذلك هربًا من شبهة التشبيه.. يقول الإمام الشهيد في رسالة (العقائد): قد علمت أن مذهب السلف في الآيات المتشابهات والأحاديث التي تتعلق بصفات الله تبارك وتعالى أن يُمرروها على ما جاءت عليه، ويسكتوا عن تفسيرها أو تأويلها، وأن مذهب الخلف أن يؤولوها بما يتفق مع تنزيه الله تبارك وتعالى عن مشابهة خلقه، وعلمت أن الخلافَ شديدٌ بين أهل الرأيين حتى أدَّى بينهما إلى التنابز بالألقاب العصبية، وبيان ذلك من عدة أوجه:

أولاً: اتفق الفريقان على تنزيه الله تبارك وتعالى عن المشابهة لخلقه.

ثانيًا: كل منهما يقطع بأن المراد بألفاظ هذه النصوص في حق الله تبارك وتعالى غير ظواهرها التي وُضعت لها هذه الألفاظ في حق المخلوقات، وذلك مترتب على اتفاقهما على نفي التشبيه.

ثالثًا: كلٌّ من الفريقين يعلم أن الألفاظ تُوضع للتعبير عما يجول في النفوس، أو يقع تحت الحواس مما يتعلق بأصحاب اللغة وواضعيها، وأن اللغات مهما اتسعت لا تحيط بما ليس لأهلها بحقائقه علم، وحقائق ما يتعلق بذات الله تبارك وتعالى من هذا القبيل، فاللغة أقصر من أن تواتيَنا بالألفاظ التي تدل على هذه الحقائق، فالتحكُّم في تحديد المعاني بهذه الألفاظ تغرير.

وإذا تقرر هذا فقد اتفق السلف والخلف على أصل التأويل، وانحصر الخلاف بينهما في أن الخلَف زادوا تحديد المعنى المراد حيثما ألجأتهم ضرورة التنزيه إلى ذلك؛ حفظًا لعقائد العوامّ من شبهة التشبيه، وهو خلاف لا يستحق ضجَّةً ولا إعناتًا.

ونحن نعتقد أن رأيَ السلف من السكوت وتفويض علم هذه المعاني إلى الله تبارك وتعالى أسلمُ وأولى بالاتباع؛ حسمًا لمادة التأويل والتعطيل، فإن كنت ممن أسعده الله بطمأنينة الإيمان، وأثلج صدره ببرد اليقين، فلا تعدل به بديلاً، ونعتقد إلى جانب هذا أن تأويلات الخلف لا توجِب الحكم عليهم بكفرٍ ولا فسوقٍ، ولا تستدعي هذا النزاعَ الطويل بينهم وبين غيرهم قديمًا وحديثًا، وصدر الإسلام أوسع من هذا كله، وقد لجأ أشدُّ الناس تمسكًا برأي السلف- رضوان الله عليهم- إلى التأويل في عدة مواطن، وهو الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه، من ذلك تأويله لحديث: “الحجر الأسود يمين الله في أرضه” وقوله- صلى الله عليه وسلم-: “قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن” وقوله صلى الله عليه وسلم: “إني لأجد نفس الرحمن من جانب اليمن”.

وخلاصة هذا البحث أن السلف والخلف قد اتفقا على أن المراد غير الظاهر المتعارَف بين الخلق، وهو تأويل في الجملة، واتفقا كذلك على أن كل تأويل يصطدم بالأصول الشرعية غير جائز، فانحصر الخلاف في تأويل الألفاظ بما يجوز في الشرع، وهو هيِّنٌ كما ترى، وأمرٌ لجأ إليه بعضُ السلف أنفسهم، وأهمُّ ما يجب أن تتوجه إليه هممُ المسلمين الآن توحيدُ الصفوف، وجمعُ الكلمة، ما استطعنا إلى ذلك سبيلاً، والله حسبنا ونعم الوكيل.

شرح الأصل التاسع .. الأصول العشرين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.