شرح الأصل التاسع .. الأصول العشرين

“وكل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها من التكلف الذي نُهينا عنه شرعًا, ومن ذلك كثرة التفريعات للأحكام التي لم تقع, والخوض في معاني الآيات القرآنية الكريمة التي لم يصل إليها العلمُ بعد، والكلام في المفاضلة بين الأصحاب- رضوان الله عليهم- وما شجر بينهم من خلاف, ولكلٍّ منهم فضلُ صحبته وجزاءُ نيته وفي التأول مندوحة”.

هذا الأصل يُعالج:

– عدم الخوض في المسائل التي لا يبنَى عليها عملٌ

– قيمة الوقت بالنسبة للمسلم

– آفات اللسان وإمساكه

– عدم الخوض والكلام في المفاضلة بين الصحابة

– قيمة الوقت في القول السديد والعمل السليم

قاعدة عظيمة: في هذا الأصل يضع الإمام الشهيد أمامَ المسلم قاعدةً تحفظ جهده من الضياع، وطاقته من التبدُّد، والقلوب من التفرق، وتجعله عمليًّا بنَّاءً، لا نظريًّا جدليًّا متكلفًا، فحثَّ على الاشتغال بما ينفع في الدنيا والآخرة، وهو كثيرٌ كثيرٌ ويستغرق كلَّ الجهود ويزيد عنها، وحذَّر من الخوض فيما ليس تحته عمل.

السؤال عما لم يقع:

إن همَّة المسلم الداعية ينبغي أن توجَّه نحو ما أمر الله به ليفعلَه وما نهى عنه ليجتنبَه، ويسأل عما يواجهه من أحداث ووقائع ليستبينَ حكمَ الله ويلتزمه، أما كثرة الأسئلة عما لم يقع وعما عفا الله عنه فليس من هدي الإسلام.. قال رسول الله- صلى الله عليه وسلم-: “ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، فإنما أهلك الذين من قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم”.

لقد كان الإمام الشهيد دقيقًا عندما أنكر (كثرة التفريعات) لا كلَّها، فإن بعضها يُحتاج إليه، جاء في الموافقات للشاطبي: “كل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها خوضٌ فيما لم يدل على استحسانه دليل شرعي، وأعني عمل القلب وعمل الجوارح من حيث هو مطلوب شرعًا”. الخوض في الآيات العلمية:

من الأمور التي عدَّها الإمام الشهيد من التكلف المنهي عنه لقلة جدواها أو عدمها “الخوض في معاني الآيات القرآنية التي لم يصل إليها العلم بعد”، فالقرآن الكريم أولاً كتاب هداية ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ (الإسراء: 9).

وقد أشار القرآن إلى بعض الحقائق العلمية قبل أن يكتشفَها العلماء، وفي ذلك تثبيتٌ للمؤمنين، وليس القرآن قاموسًا للعلوم التطبيقية، ولقد افتتن كثيرٌ من الناس بالاكتشافات العلمية الحديثة، ووقفوا موقفين متضادَّين: فريق انبهر وغالَى، وفريق أنكر ورفض، وقف الإمام الشهيد موقفًا وسطًا يأخذ خيرَ ما عند الفريقَين ويدَع ما سواه، فأنكر الخوض فيما لم يصل إليه العلم بعد، أما ما ثبت حقيقةً وله وجودٌ في القرآن فلا مانعَ من بيانه بل هو من محاسنه.

المفاضلة بين الأصحاب وخلافهم:

لقد أثنى الله تبارك وتعالى ورسوله على الصحابة الكرام ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (الفتح: من الآية 18) وقال- صلى الله عليه وسلم- “خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم”، وقد عدَّ الإمام الشهيد الخوض فيما شجرَ بين الصحابة من المنهيِّ عنه لأنه بابٌ للقدح، ومدخلٌ للشيطان والفرقة، وما علينا إلا أن نتعظ بسيرتهم، فقد أفضَوا إلى ما قدموا.. قال أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز: “هذه دماء قد طهَّر الله منها أسنَّتَنا، فلنطهر منها ألسنتنا”.

فواجبنا أن نطويَ هذه الصفحات، وأن نطيلَ النظر في صفحات الجهاد والثبات، والبذل والعطاء، والتضحية والفداء، والصحبة والإخاء، حتى ننطلق للبناء.

إقرأ أيضا .. شرح الأصل الثامن من الأصول العشرين

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.