الثبات المهزوم والتحول المطلوب

0

الحياة حركة وتنقل في الأمور العادية، وكذا الشأن الفقهي والسياسي والاقتصادي والمجتمعي.
الإمام الشافعي -رحمه الله- غير مذهبه لما انتقل من العراق إلى مصر، وقال تلامذته هذا تغير بيئة ومكان وزمان لا تغير دليل وبرهان. تلاميذ أبي حنيفة النعمان -رحمه الله- بعد وفاته خالفوه في ثلث المذهب، وقالوا: لو كان أبو حنيفة حياً لأفتى بما أفتينا به. كذا الإمام أحمد -رحمه الله – له في المسألة الواحدة أكثر من قول، ولو هناك دليل واضح الدلالة في المسألة لما انتقل إلى غيره، وهو المعروف عنه بتمسكه بالسنة.

المسائل الفقهية متحركة، لم تقف في عصر من العصور على لون واحد أو طريقة واحدة، بل التراث الكبير العظيم الذي تركه الفقهاء يؤكد أن الفتوى ليست ثابتة في الأحكام الشرعية الفقهية، وأنها تتغير بحسب الظروف والعرف والعادات، وبالأخص النوازل منها والمستجدات التي ليس لها حكم معلوم في كتاب وسنة رسوله – صلى الله عليه وسلم.

شأن السياسة ومسائل المال كذلك، متجددة ومتطورة لا تقف على حال واحد، فلكل زمان طريقته في الحكم، وأدواته التي يقف بها على الواقع، بل لكل زمان رجاله وعلماؤه، والعالم الآن يتحول ويتغير، كل يوم بل كل ساعة فيه جديد غير مسبوق ومشفوع بسابقة نقيس عليها ما استجد من أمر الواقع.

كل هذا يرتب علينا اجتهادًا جديدًا لكل حادثة، والشريعة لها من المصادر الكثيرة التي تساعد على الاجتهاد، وتضبط كل جديد مهما كثر عدده من النوازال والمستجدات. الثابت عندنا أن الشريعة صالحة لكل زمان ومكان، بقواعدها وضوابطها وكثرة مصادرها.

مستحيل أن تجد مسألة لا حكم لها في شريعتنا، فلا يخلو زمان من مجتهد عنده قدرة على استخراج حكم الله في النازلة المستحدثة. فالركون والثبات في مسائل الفقه والسياسة على لون واحد أو منهجية واحدة عورة وجريمة، واتهام للشريعة بالقصور وعدم الصلاحية.

العيب ليس في الشريعة وإنما في توقف العقول عند طريقة واحدة، وعدم إبداعها لواقعها المتجدد والمتطور. من هنا تأتي أهمية الاجتهاد والمجتهدين للخروج بالأمة من القديم الذي لا يناسب الواقع إلى الجديد الذي يقيم المصلحة، كل ذلك في ظل الثوابت الإسلامية التي لا تقبل التغيير أو التبديل.

هذا رسولنا صلى الله عليه وسلم يستعين بالمشركين في الهجرة وغزوة أحد، ولا يستعين بهم في الخندق ومن بعدها. يصبر ويحتسب في مرحلة مكة على الأذى، ويقول لخباب بن الأرت رضى الله عنه: “ولكنكم قوم تستعجلون”، وهو ذاته الذي أجلى بني قينقاع من أجل كشف وجه امرأة مسلمة، وجيّش الجيش في مؤتة من أجل قتل رسوله الذي أرسله إلى الغساسنة.

مسألة السلمية المطلقة قد يكون لها بعض الوجاهة من الناحية الشرعية في زمن معين، لكنها ليست من ثوابت الدين أبدًا، ولا يمكن أن نهدم بها ديننا الذي تعلمنا فيه أن الجهاد فرض، وأن رد الصائل واجب، وأن محاربة الباغي والخارج لازم.

نعم قد يجتهد البعض، لكن الاجتهاد لا ينفي الثابت المستقر المعلوم من الدين بالضرورة. في نظري الذي قد يخطأ ويصيب أننا أدرنا الدولة بفقه الدعوة، الدعوة الأصل فيها الاستمالة والحرص على المدعو، والحكمة فيها بالقول الأحسن، والصبر على المدعو حتى يلين.

لكن فقه إدارة الدول ليس دائمًا على هذه الوتيرة، تعاملنا مع الإعلاميين المجرمين على أننا دعاة لا قضاة، فهدموا الدولة والدعاة معًا. تعاملنا مع المعارضة الخائنة لوطنها على أنها شريفة، فهدمت الوطن وباعته رخيصًا للعسكر.

تربينا على فقه الدعوة، ولم نتربَّ على فقه إدارة الدولة، نعم أعلم أن كثيرًا من شرفاء الوطن عندهم قدرة على إدارة الدولة، لكن خطابي للإدارة التي أدارت الدولة باسم الرحمة والشفقة والصبر، وهي من فقه الدعوة، لا من فقه الدولة.
الثبات على فكرة الصبر على الابتلاء وحدها فقط في مواجهة الأزمات جريمة وليس ثباتًا، العالم كله يفعل فينا ونحن المفعول به دائمًا.

ماذا لو رضخ الشعب التركي للانقلاب باسم حقن الدماء والصبر على البلاء وقال: فلنصبر خمسين سنة قادمة؟ الإجابة واضحة وضوح الشمس، لو نجح الانقلاب لقُتل من الشعب التركي أضعاف أضعاف ما قتل في مواجهة الانقلاب، ونحن رأينا ذلك في مصر، عقلية العسكر واحدة في تركيا أو مصر أو غيرهما.

ماذا لو رضخت قطر للحصار، وقالت قضاء الله وقدره، فلنصبر ولنحتسب أجرنا عند الله؟ لو فعلت قطر ذلك لدُكت بالطائرات والصواريخ والدبابات، لكنها رغم صغر مساحتها، وكثرة أعدائها وقفت ضد الحصار، ونجحت بفضل الله عليها ثم بحُسن إدارتها الأزمة.

متى نتحول من فقه الدعوة الفردية في إدارة أمورنا إلى عالمية الدعوة بثوابتها ومتغيراتها؟
مَن ركن إلى الصبر وحده في إدارة الأزمة فليراجع نفسه، وليتهم طريقته، وليخرج عن الساحة المتغيرة، فلا يناسبها ثباته الواقف، فإنه الثبات المهزوم، والتحول المطلوب هو الاجتهاد لكل نازلة، فهو التحرك المنصور

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.