التفكر فى الغيب …. الذى ينتظرهم

0

مرحلة الموت:

ثم ننتقل الى مرحلة الموت كحد فاصل وهام بين مرحلتين فى هذا الغيب الذى ينتظرنا ، لايشك أحد منا أنه سيموت ، فالله سبحانه وتعالى يقول :{ كل نفس ذائقة الموت } ولم نر أحداً فرَّ من الموت ، ولكن رغم ذلك نرى كثيراً من الناس ينسون الموت وكأنه كتب على غيرهم بسبب انشغالهم بالدنيا.

يجب علينا أن نتذكر الموت دائماً ونكون على أهبة الاستعداد للقاء الله ، إذا وسوس الشيطان لإنسان بارتكاب معصية وتذكر الموت وأنه ربما يفاجئه وهو يرتكب المعصية ولا يستطيع له دفعاً وكيف يختم حياته بهذه الخاتمة وأى لقاء يلقى به ربه وهو على إثم ، لاشك أن تذكر الموت كفيل أن يصرف عنه هذا الوسواس ويزجره ويعينه على شيطانه.

والرسول صلى الله عليه وسلم يدلنا على دوام تذكر الموت كما فى دعاء النوم ودعاء الاستيقاظ

احرص ياأخى أن يأتيك الموت وأنت على خير وفى طاعة ، استقم على أمر الله وكن من المتقين :{ الذين تتوفاهم الملائكة طيبين يقولون سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون}

لقد بكيت ياأخى عند ولادتك والأهل حولك يضحكون سروراً فاحرص يوم موتك وهم يبكون حولك أن تكون فرحاً مسروراً . أحب لقاء الله يحب الله لقاءك

إجعل هذا الموت فى سبيل الله بل اجعله أسمى أمانيك ، احرص أن تحول موتك الى حياة بأن تلقى الله شهيداً :ل{ ولا تحسبن الذين قتلوا فى سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون فرحين بما آتاهم الله من فضله}.

اعقد ياأخى الصفقة الرابحة مع الله إن لم تكن عقدتها من قبل ، بعه نفسك ومالك لتنال جنة عرضها السموات والأرض ، فإذا جاء الأجل بعد عقدها ولو بلحظة فزت ونلت الثمن ، وإذا تأخر الأجل فكن دائماً على وفائك بعهدك وعقدك ولا تتردد أو تبخل :{ ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغنى وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم } ، { إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة}.

القبر وحياة البرزخ:

تعالى ياأخى بعد ذلك لننتقل الى القبر لنزوره ونحن أحياء قبل أن نزوره عند الموت ولا يلهينا التكاثر ، تعال نزوره لنتعرف عليه وعلى طبيعة الحياة فيه ونعده ونهيئه لاستقبالنا لا بالجص و الرخام و الرمل الناعم فلا أثر ولا تأثير لذلك على المقبورين ، ولكن لنأخذ العبرة التى تحثنا على العمل الصالح ، فالعمل هو الذى سيصحبنا فى القبر وهو الذى يجعله إما روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار.

والحياة فى القبر فترة محدودة أشبه بالزيارة يكون بعدها البعث و النشور و الحساب و الجزاء وصدق الله العظيم :{ ألهكم التكاثر حتى زرتم المقابر}.

ليس فى مقدورنا أن نعرف بدقة طبيعة الحياة فى هذه الفترة فهى لاشك مغايرة لحياتنا الآن ، فالروح تنفصل عن الجسد الفانى ، وما ورد فى الكتاب و السنة يعطينا ملامح حول هذه الحياة ، فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون والله أعلم بطبيعة هذه الحياة التى يحيونها عند ربهم ، وهناك مساءلة القبر وفتنة القبر التى وجهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم للاستعاذة بالله منها.

والقرآن يذكر لنا فى شأن فرعون وآل فرعون فيقول :{ النار يعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخلوا آل فرعون أشد العذاب}.

و العذاب فى القبر يشير إليه حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبى صلى الله عليه وسلم مرَّ بقبرين فقال : إنهما يعذبان وما يعذبان فى كبير – أى يكبر ويشق عليهما فعله – أما أحدهما فكان لا يستنزه من البول ، وأما الآخر فكان يمشى بالنميمة … رواه الجماعة.

لنذكر القبر وحياته دائماً فهو ليس منا ببعيد فقد يصبح الواحد منا فى بيته وبين أهله ويمسى وحيداً فى قبره.

ولا يفوتنى فى هذه المناسبة أن أذكر خاطرة لأحد الإخوة أكرمه الله عندما اعتقل فى جوف الليل وأخذه جند الطاغية من بين أهله وألقوا به فى زنزانة مظلمة خالية من كل شىء وأغلقوا الباب خلفهم وإذا به لايرى شيئاً من شدة الظلام ، فكانت تلك الخاطرة : فقد تصور أنه خرج من الدنيا وصار فى القبر وأنه يواجه الحساب و الجزاء وأن عمله لايضمن له النجاة من العذاب ففزع وخاف وتمنى أن يعيده الله تعالى الى الدنيا ليتدارك أمره ويصلح حاله وكأن الله حقق أمنيته وها هو فى الدنيا وقد تجددت له فرصة العمل وإصلاح أمره فكان لهذه الخاطرة الأثر الفعال فى نفسه فقد جعلته يرضى بحاله التى هو فيها ولو كان فى زنزانة مظلمة بعد أن كان بين أهله من لحظات فلا جزع ولا غم ولا كرب فهذا أهون بكثير من التعرض لعذاب الله ، كما قوَّت هذه الخاطرة فى نفسه دوافع الخير و العزم على المسارعة الى كل عمل صالح ينال به رضوان الله وينجيه من عذاب الله

هذه جولة تفكر فى بعض مراحل الغيب الذى ينتظرنا لنقرأها مرات ولنتذكرها دائماً لنتزود بالزاد الذى يحفظنا ويعيننا على الطريق والله المستعان وبالله التوفيق.

التفكر …….. فى اليوم الآخر

لاأكون مغالياً إذا قلت إن اليوم الآخر لا ينال من تفكير واهتمام كثير من المسلمين مثل ما يناله يوم من أيام الدنيا ، بل ربما مرَّت فترات طويلة على البعض دون أن يخطر على بالهم ذلك اليوم العظيم يوم يقوم الناس لرب العالمين ، ألا ترى الناس يستعدون ويتشمرون لحر الصيف وبرد الشتاء ويتهاونون ولا يستعدون لاتقاء حر جهنم وزمهريرها.

ورغم تكرار عبارة الإيمان بالله و باليوم الآخر فى القرآن نرى الكثير لايذكرون ذلك اليوم ويرونه بعيد والأولى بالاهتمام الشىء القريب وهو الدنيا.

إن مجرد سماع أسماء ذلك اليوم الآخر ووقع رنينها من شأنه أن يهز المشاعر ويوقظ القلوب الغافلة : القارعة ، الحاقة ، الصاعقة ، الواقعة ، الصاخة ، الطامة الكبرى ، ال غاشية ، الرجفة الى آخر هذه السماء و الصفات.

ولو تدبرنا ما ورد فى الكتاب و السنة من وصف لهذا اليوم وما سيحدث فيه وعشنا هذا الوصف حقاً لما طرفت لنا عين بنوم ولما ابتسمت لنا شفاه ولما هنأ لنا بال ولما جف لنا دمع.

من ذا الذى يقرا أو يسمع هذه الآيات ولا يتأثر ولا يصحو من غفلته :{ يا ايها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شىء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وماهم بسكارى ولكن عذاب الله شديد}.

فتعال يا أخى نتفكر سوياً فى اليوم الآخر وما فيه من أحداث ومشاهد يشيب لها الولدان ، نتفكر فى النفخ فى الصور والبعث و النشور و العرض على الجبار للحساب و السؤال عن القليل و الكثير ونصب الميزان لمعرفة المقادير وتحديد المصير واجتياز الصراط الى الإسعاد بالجنة أو الإشقاء بالنار.

إننا لن نستطيع أن نتناول كل هذه المشاهد بتفصيل فى مقال أو أكثر ولكننا سنذكر بعض الملامح ونأخذ العبر كمثال ومنهج للتفكر و التدبر يزيد من إيماننا واهتمامنا باليوم الآخر.

النفخ فى الصور:

وتبدأ مشاهد اليوم العظيم بالنفخة الأولى فى الصور فيصعق من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله ويصاحب ذلك أمور يصعب علينا مجرد تصورها كانفطار السماء وتناثر النجوم ونسف الجبال وتسجير البحار وزلزلة الأرض وتبعثر القبور ثم تبدل الأرض غير الأرض و السموات ثم تأتى النفخة الأخرى ويكون البعث و النشور ويكون الناس كالفراش المبثوث حفاة عراة ، ولنقرأ بعض الآيات و الأحاديث التى تصف هذه المشاهد :{ ونفخ فى الصور فصعق من فى السموات ومن فى الأرض إلا من شاء الله ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون } :{ يوم ترجف الراجفة تتبعها الرادفة قلوب يومئذ واجفة أبصارها خاشعة يقولون إئنا لمردودون فى الحافرة } ، :{ فإذا برق البصر وخسف القمر وجمع الشمس و القمر يقول الإنسان يومئذٍ أين المفر } :{ بيوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل امرىء منهم يومئذٍ شأنٌ يغنيه وجوهٌ يومئذٍ مسفرة ضاحكةٌ مستبشرة ووجوهٌ يومئذٍ عليها غبرة ترهقها قترة أولئك هم الكفرة الفجرة}.

هكذا فزعٌ وهلعٌ وحرٌ وعرقٌ وذهول ، وفى حديث ابن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم  🙁 يوم يقوم الناس لرب العالمين حتى يغيب أحدهم فى رشحه الى أنصاف أذنيه ) متفق عليه فعلينا أن نجتهد اليوم لنكون فى ذلك اليوم من أصحاب الوجوه المسفرة الضاحكة المستبشرة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.