الأصل الثاني عشر..الأصول العشرين

0

يقول الإمام حسن البنا (رحمه الله) في الأصل الثاني عشر:   (والبدعة الإضافية والتركية والالتزام في العبادات المطلقة، خلاف فقهي لكل فيه رأيه، ولا بأس بتمحيص الحقيقة بالدليل والبرهان).   والبدعة والابتداع موضوع شغل المسلمين (ومازال يشغلهم).. خصص له الإمام حسن البنا في تعاليمه المختصرة أصلين:   تناول في الأصل الأول البدعة في دين الله التي لا أصل لها و تتعلق بالعقيدة أو العبادة أو الحل والحرمة، وهي بدعة تجب محاربتها، ولا خلاف في ذلك بين العلماء..   وتناول في الأصل الثاني البدع الأخرى التي اختلف فيها العلماء. فمنهم من جوّزها ومنهم من منعها. وهي على ثلاثة أشكال:  

1- البدعة الإضافية.  

2- البدعة التركية.  

3- الالتزام في العبادات المطلقة.  

أما البدعة الإضافية: فهي كل بدعة أصلها مشروع، ولكن اختلفت كيفية تطبيقيها.   فالصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الأذان مباشرة، وكأنها بعض كلمات الأذان، كما يفعل بعض المسلمين، مشروعة من حيث الأصل،  فقد أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي عليه بعد الأذان. ولكن الكيفية هنا هي التي اختلفت. ولذلك كانت الصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم بهذه الكيفية بدعة إضافية.   وكذلك قراءة سورة الكهف في بعض المساجد من قارئ معين بصوت مسموع والجميع ينصت له. فقراءة سورة الكهف مشروعة، ولكن كيفيتها على هذه الصورة غير مشروعة، فكانت بذلك بدعة إضافية.      

المأثورات وورد الرابطة   الأدعية والأوراد التي وردت في المأثورات مشروعة.. ولكن قراءتها بهذا الترتيب الذي وضعه الإمام حسن البنا غير مشروعة وليس له أصل.. ولذلك كانت بدعة إضافية.   ولقد كان الإمام البنا يدرك ذلك فقال في ورد الرابطة بعد أن ذكر المأثور من الدعاء، قال: يدعو الأخ بمثل هذا الدعاء.. حتى لا يظن أحد أنه واجب.  

وقد علق الأستاذ القرضاوي على هذا الموضوع فقال: يمكن قراءة المأثورات بأن نقدم بعضها مرة، ونؤخر بعضها مرة، حتى لا يُظن ما هو ليس بواجب واجب.   وهكذا فكل بدعة لها أصل في الدين مشروع، ولكن اختلفت كيفية تطبيقها فهي بدعة إضافية وهي من مسائل الخلاف الفقهي.  

البدعة التركية والبدعة كما تشمل الفعل المخالف للسنة، تشمل الترك المخالف للسنة كذلك.   من هذا الباب ترك المباح تقربا إلى الله.. كما يفعل الزهاد والمتصوفة.   قُدمت لأحد هؤلاء تفاحة فرفض أن يأكلها، فقيل له لمَ؟   قال: لا أستطيع أداء شكرها، قال له الحسن البصري رضي الله عنه: وهل يستطيع الأحمق شكر نعمة الماء البارد؟   ومثل ذلك من يترك الزواج انشغالا بالدعوة أو العبادة…   وهكذا فالبدعة التركية هي ترك الأشياء المشروعة بغية التقرب إلى الله تعالى.. وهي من المسائل الخلافية بين العلماء.  

الالتزام في العبادات المطلقة   وهي أن يلتزم المسلم بعبادة لها أصل مشروع، ولكنه يحدد لها مكانا أو زمانا محددا أو عددا بعينه مكررا ذلك.  

مثل قراءة (قل هو الله أحد) مائة مرة بعد الفجر أو في أي وقت معلوم.   أو استمرارية قراءة الكهف كل يوم جمعة بطريقة معينة.   فإلزام المسلم نفسه بعبادة لها أصل في الدين مشروع واستمراره عليها تسمى التزام عبادة مطلقة وهي كالبدعة الإضافية سواء بسواء. وهي من المسائل الخلافية بين العلماء.  

تمحيص الحقيقة بالدليل والبرهان   وهكذا فإن هذا النوع من البدع (الإضافية والتركية والالتزام في العبادات المطلقة) صنفه العلماء في دائرة المسائل الاجتهادية، الراجحة والمرجوحة التي يتناصح المسلمون فيها بلا إغلاظ ولا جفاء ولا هجر ولا تخاصم ولا تناحر.. وإنما مناقشة بالدليل والبرهان تحت ظلال الأخوة والمحبة في الله، لأنه ليس هناك حسم ولا قطع.

[1] بين الابتداع  و الاستصلاح   يختلط الأمر في أذهان البعض بين البدعة والمصلحة المرسلة، فيعتقد أن كل ما فعله الناس مما لم يفعله المصطفى صلى الله عليه وسلم إنما يندرج في إطار البدعة.. والحق أن الأمر ليس كذلك، ولبيان قاعدة ذلك يقول الإمام ابن تيمية: (ما تركه النبي صلى الله عليه وسلم مع وجود الداعي له، وانتفاء المانع منه فتركه سنة وفعله بدعة).

[2] فإحياء ليلة النصف من شعبان مثلا، أو تكرار الصلاة على رسول الله بأعداد معينة وهيئات معينة، أمور لم يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم ولا السلف الأول رغم وجود الداعي لفعل ذلك وهو طلب الثواب وانتفاء المانع من ذلك فهو أمر سهل ميسور، ومادام الأمر كذلك فترك هذه الهيئات والأعمال سنة وفعلها بدعة.   أما الأمور التي وجد الداعي لفعلها بعد وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم ولم يوجد في حياته، فإنها لا تعتبر بدعة بحال من الأحوال مادامت مندرجة ضمن الإطار العام للشريعة، وإنما هي من قبيل المصالح المرسلة التي تعتبر من أهم الوسائل التشريعية التي تمكن من مواجهة التطورات وتلبية الحاجات المتغيرة بتغير الأزمان.   ومن ذلك مثلا جمع القرآن الكريم بين دفتي مصحف، فإن الداعي لهذا العمل الجليل لم يكن على عهد المصطفى صلى الله عليه وسلم، وإنما برز بعد وفاته بزمن، حيث خُشي على كتاب الله من الضياع بفقد الحفاظ من القراء.   وكذلك أيضا فإن العمل الذي تركه الرسول صلى الله عليه وسلم لوجود مانع من فعله، لا يعتبر فعله من بعده  صلى الله عليه وسلم بدعة إذا انتفى المانع.. ومن ذلك صلاة التروايح، فقد فعلها الرسول ثلاث ليال، ثم تركها لوجود مانع من الاستمرار عليها وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (خشيت أن تفرض عليكم).. ولكن هذا المانع زال بعد وفاته، حيث انقطع الوحي ولا احتمال لحصول الفرضية، فلا تعتبر صلاتها في جماعة بدعة بحال من الأحوال

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.